هل يمكن للاستثمار الأجنبي تشغيل أعمال التحصيل التجاري؟

في السنوات الأخيرة، ومع تزايد الانفتاح الاقتصادي في المنطقة العربية، بات السؤال حول مدى سماح القوانين للاستثمار الأجنبي بدخول قطاعات حساسة مثل التحصيل التجاري من أكثر الأسئلة إلحاحًا لدى رجال الأعمال والمستثمرين. أتذكر جيدًا قبل حوالي ثماني سنوات، كنت جالسًا في مكتبنا بشركة جياشي، حين دخل علينا مستثمر خليجي يحمل ملفًا ضخمًا، وكان يريد فتح شركة تحصيل ديون في السوق المحلي. كان متحمسًا جدًا، لكنه فوجئ عندما شرحت له أن هذا النشاط يصنف ضمن الأنشطة المقيدة التي تحتاج إلى تراخيص خاصة، وأن دخول الأجنبي فيها ليس بالأمر الهين. الواقع أن أعمال التحصيل التجاري ليست مجرد تحصيل أموال، بل هي منظومة قانونية واجتماعية حساسة، تتعلق بسمعة الأفراد والشركات، وبالتالي فإن معظم التشريعات العربية تتعامل معها بحذر شديد. من وجهة نظري، وبعد 14 عامًا من العمل المتواصل في تسجيل الشركات الأجنبية ومعاملاتها، أستطيع أن أؤكد أن الإجابة على هذا السؤال ليست ببساطة "نعم" أو "لا"، بل هي قصة معقدة تتشابك فيها الخيوط القانونية والاقتصادية والاجتماعية. دعونا نتعمق في هذا الموضوع الشائك، ونستعرض الجوانب المختلفة التي تحكم هذه المسألة الحساسة.

القيود القانونية

أول ما يجب أن نضعه في الاعتبار هو أن القوانين التجارية في معظم الدول العربية تحدد بدقة الأنشطة التي يمكن للأجانب مزاولتها، وتلك التي تُحظر عليهم. أعمال التحصيل التجاري عادةً ما تندرج تحت ما يسمى بـ"الأنشطة الأمنية" أو "الأنشطة ذات الطابع القضائي"، لأنها تتضمن سلطات قد تتعارض مع حقوق الإنسان الأساسية إذا أسيء استخدامها. فعلى سبيل المثال، في السوق المصري، هناك قوانين صريحة تمنع غير المصريين من تأسيس شركات تعمل في مجال ملاحقة المدينين وتحصيل الديون نيابة عن الغير.

لكن الأمر لا يتوقف عند حد المنع الكامل، فهناك حالة من الغموض والتفسيرات المتضاربة في بعض الأقطار الأخرى. في الإمارات العربية المتحدة، هناك تفاصيل دقيقة تتعلق بنوع الترخيص المطلوب، فقد يكون هناك فصل بين شركات الاستشارات المالية وشركات التحصيل الفعلي. وأذكر هنا حالة عملية لرجل أعمال أوروبي حاول تسجيل شركة مسماة "إدارة الائتمان" في دبي، وكان يعتقد أنها ستسمح له بنشاط التحصيل، لكنه اكتشف لاحقًا أن النشاط المرخص له كان مجرد إعداد التقارير الائتمانية وليس التحصيل الفعلي، مما اضطره إلى تعديل نموذج عمله بالكامل.

من المهم هنا أن ننظر إلى الحكمة التشريعية وراء هذا التقييد. فالتحصيل التجاري يرتبط مباشرة بإجراءات قانونية مثل الحجز والتنفيذ على أموال المدينين، وهذه الإجراءات بطبيعتها تمثل سلطة سيادية لا يمكن تفويضها لجهات أجنبية. لو سمحنا للاستثمار الأجنبي بالسيطرة على هذا المجال، لتصبح الشركات الأجنبية في موقع يسمح لها بالتأثير على النسيج الاقتصادي المحلي بطرق قد تكون ضارة. هذا لا يعني أن الأجانب مستبعدون تمامًا، بل أنهم غالبًا ما يضطرون للدخول في شراكات مع كيانات محلية تمتلك الحصة الأغلبية، ومثال آخر أقوله لعملائي دائمًا: الشراكة هي الحل السحري حين تصطدم بالقيود القانونية الصارمة.

الجدوى الاقتصادية

الآن، إذا افترضنا أن القانون يسمح، أو أنك أعددت هيكلًا قانونيًا مناسبًا عبر شريك محلي، يبقى السؤال الأهم: هل هذا الاستثمار مجدٍ اقتصاديًا؟ دعونا ننظر إلى الأرقام: السوق العربي يعاني من أزمة سيولة مزمنة في قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة، حيث تشير بعض التقديرات غير الرسمية إلى أن حجم الديون المتعثرة في المنطقة يتجاوز عشرات المليارات من الدولارات. هذا رقم ضخم يوحي بوجود فرصة استثمارية ذهبية.

لكن الحقيقة الميدانية مختلفة تمامًا، وهنا أستحضر تجربة ذاتية مررت بها مع إحدى الشركات الأجنبية التي حاولت دخول السوق السعودي. استأجرنا مستشارًا قانونيًا محليًا كبيرًا، وجلسنا نرسم الخطط، وكانت التوقعات تشير إلى أن الشركة ستتمكن من تحصيل ما يقرب من 70% من قيمة العقود المتعثرة التي ستتولاها. لكن بعد مرور عام على التأسيس، تبين أن النسبة الفعلية للتحصيل لم تتجاوز 35%، وذلك بسبب تعقيدات الإجراءات القضائية، وبطء المحاكم التجارية، وميل بعض المدينين إلى التهرب الطويل الأمد.

الأمر الآخر الذي يغيب عن كثير من المستثمرين هو أن ثقافة سداد الديون في المنطقة العربية تختلف جذريًا عن السوق الأوروبي أو الأمريكي. في الغرب، يعتبر التخلف عن السداد وصمة عار تؤثر على التصنيف الائتماني للشخص، وتغلق أمامه الأبواب المالية لسنوات طويلة. أما في منطقتنا، فالأمر أكثر مرونة، وقد يحظى المدين المماطل بشفاعة اجتماعية أو يتوسط له أحد الوجهاء، وهذا يعني أن أسلوب التحصيل يجب أن يكون أكثر دبلوماسية، وأقل عدوانية، مما يطيل دورة الأموال ويؤثر على الربحية المتوقعة.

الخلاصة هنا أن الجدوى الاقتصادية تتحسن عندما يكون التحصيل جزءًا من منظومة أكبر مثل التسوية الودية الداخلية، أو الاستشارات المالية للتقليل من الديون المعدومة، وليس نشاطًا قائمًا بذاته. إذا كنت مستثمرًا أجنبيًا تفكر في هذا المجال، فأنصحك بأن تبدأ بنشاط استشاري، مع وجود نية مسبقة لدخول مجال التحصيل الفعلي عبر مراحل تدريجية بعد بناء سمعة قوية وعلاقات محلية واسعة.

الشريك المحلي

في كل جلسات العمل التي أجريتها مع عملائي من المستثمرين الأجانب، أكرر دائمًا عبارة واحدة: "لا تدخل السوق العربي وحيدًا، ابحث عن شريك محلي يفهم العقلية التجارية هنا". هذه النصيحة ليست مجرد تحصيل حاصل، بل هي ضرورة قانونية أولًا، إذ تشترط معظم دول مجلس التعاون الخليجي أن يملك المواطن المحلي ما لا يقل عن 51% من رأس مال الشركة في الأنشطة المقيدة، والتحصيل التجاري من ضمنها قطعًا.

ولكن الشراكة المحلية ليست مجرد شكل قانوني لإرضاء الجهات الرسمية، بل هي أداة عمل حقيقية. أنا أذكر قصة شركة أجنبية كبرى دخلت السوق الأردني للتو، وعينت شريكًا محليًا هو رجل أعمال من إحدى العائلات العريقة. كان هذا الشريك متعلماً، وخبيرًا في القطاع المصرفي، ولديه قنوات تواصل مع رجال الأعمال المحليين، وهذا ما مكّن الشركة من الوصول إلى عملاء لا تستطيع أي شركة أجنبية الوصول إليهم بمفردها. التحصيل التجاري يعتمد على الثقة، وأبناء المنطقة يثقون في الشخص الذي يعرفونه بالاسم والنسب، وليس في شركة أجنبية برأس مال ضخم.

لكن يجب أن أضيف كلمة تحذير هنا، وقد تعلمتها من موقف صعب مررت به مع أحد العملاء. الشراكة المحلية قد تتحول في بعض الأحيان إلى عائق إذا لم تكن مبنية على قواعد واضحة وموثقة بعناية. من المهم أن تحدد في عقد الشراكة ما هي الحدود الفاصلة بين عمل الشركة، وما هو دور الشريك المحلي الشخصي، خاصة فيما يتعلق بتحصيل الديون الحساسة والمتصلة بعلاقات اجتماعية. إذا تركنا الأمور غير واضحة، فقد يقوم الشريك المحلي بعقد صفقات خاصة خارج إطار الشركة، مما يعرض المشروع برمته للفشل.

أيضًا، أنصح دائمًا باختيار الشريك المحلي ليس فقط على أساس رأس المال، بل على أساس الخبرة في القطاع المصرفي أو القانوني، لأن هؤلاء لديهم فهم أفضل لكيفية التعامل حالات التعثر المالي والحلول البديلة قبل اللجوء للتقاضي.

متطلبات الترخيص

عملية الحصول على ترخيص لمزاولة أعمال التحصيل التجاري تتطلب في الغالبية العظمى من الدول المتطلبات نفسها تقريبًا: سجل تجاري نظيف، وضمانات مالية قد تكون محددة السقوف، وأحيانًا شهادة بعدم وجود سابقة قضائية. لكن الشيء الأكثر صعوبة ليس الحصول على الترخيص نفسه، بل استيفاء الشروط البيروقراطية المصاحبة له، والتي قد تستغرق شهورًا طويلة وتتطلب التنقل بين عدة جهات حكومية. خلال عملي في جياشي مع شركة استرالية تقدمت بطلب ترخيص في الكويت، استغرقنا 8 أشهر كاملة لجمع المستندات المختلفة، من الغرفة التجارية إلى وزارة الداخلية إلى وزارة التجارة، ثم إلى المزايدات على الترخيص النهائي.

ومما يزيد الأمور تعقيدًا أن بعض الدول تضع شرط الكفالة البنكية كضمان لحسن تنفيذ العقود، وهذه الكفالة تكون غالبًا بمبالغ كبيرة تعادل رأس مال الشركة بالكامل. قبل بضعة سنوات، كان هناك عملاء من الصين يريدون الدخول في السوق القطري، وبالفعل وجدنا نشاط التحصيل من ضمن الأنشطة المتاحة للأجانب بشرط الكفالة البنكية بمقدار مليون ريال قطري. هذا المبلغ ليس بالأمر الهين، لكنه يُظهر جدية الجهة المانحة للترخيص ويمنع دخول الشركات الوهمية إلى هذا القطاع الحساس.

بالإضافة إلى ذلك، تفرض السلطات الرقابية غالبًا شرط إثبات الكفاءة المهنية لمديري الشركة، مثل شهادات في المحاسبة، أو القانون، أو خبرة عملية مؤكدة في المجال المصرفي. وكثيرًا ما سألني عملاؤي: "لماذا كل هذه التعقيدات لمجرد تحصيل أموال؟" وكان ردي دائمًا أن التحصيل التجاري يتعامل مع أموال الغير، وأي خطأ صغير قد يؤدي إلى كارثة مالية لصاحب الدين، لذا فالجهات الرسمية تحمي حقوق الجميع.

هل يمكن للاستثمار الأجنبي تشغيل أعمال التحصيل التجاري؟

أذكر أيضًا أن الحصول على الترخيص لا يعني نهاية المطاف، فالجهات الرقابية تقوم بجولات تفتيش دورية، وقد تشترط تقديم تقارير ربع سنوية عن حجم التحصيلات وشكاوى العملاء، لذا يجب تجهيز نظام محاسبي متقدم يسمح بتتبع كل عملية تحصيل بالتفصيل، وهذا بالطبع يضيف تكاليف تشغيلية مرتفعة يجب أخذها في الحسبان.

الحوكمة والسمعة

إذا كنت قد تقدمت هذه المراحل، ونجحت في تأسيس شركة تحصيل تجاري، فإن المعركة الحقيقية تبدأ الآن في بناء السمعة وإثبات النزاهة. أعمال التحصيل التجاري معرضة دائمًا لانتقادات المجتمع، حتى لو كانت تعمل ضمن القانون، فكيف إذا كان هناك أي تصرف غير صحيح؟ من المهم جدًا أن تضع مدونة سلوك داخلية صارمة، وأن تدرب موظفيك على التواصل الحضاري مع المدينين، وتجنب أساليب التهديد أو الابتزاز أو التشهير التي قد تعرض الشركة لدعاوى قضائية تعويضية.

في هذا السياق، يجب علينا أن نفهم أن شركات التحصيل الأجنبية الكبرى مثل "أكسس كابيتال" و"إنترناشونال كوليكشن" اعتمدت سمعتها على مدى سنوات طويلة من العمل النظيف، والشفافية مع الجهات الرقابية والعملاء على حد سواء. أنا أقول دائمًا لعملائي: لا تبحثوا عن الأرباح السريعة، فالربح السريع من تحصيل ديون صعبة بطرق ملتوية قد يكلفكم الشركة بأكملها لاحقًا. السوق العربي صغير ومتصل، والخبر السيئ ينتقل بسرعة فائقة عبر مجالس الرجال والمجالس الرقمية على حد سواء، وبمجرد أن تتلطخ السمعة، فمن الصعب جدًا إصلاحها.

عليك أيضًا أن تُحسن إدارة قاعدة بياناتك، وأن تكون ملمة بكل تفاصيل العقود التي تتولى تحصيلها، لأن أي خطأ بسيط في حساب الفوائد أو الرسوم يمكن أن يعطي المدين ذريعة لرفض السداد بالكامل، وربما يدفعه لرفع دعوى مضادة تشوه صورة الشركة. أذكر حالة في السوق العماني، حيث كانت شركة أجنبية تتحصيل ديون، وأدخلت عن طريق الخطأ نسبة فائدة أعلى من المتفق عليه، فقام أحد المدينين بتشويه سمعتها على نطاق واسع، وخسرت الشركة عددًا ضخمًا من العملاء خلال ثلاثة أشهر فقط، وكانت النتيجة أن انسحبت من السوق بعد ذلك بعام واحد.

وللحوكمة أهمية خاصة في هذا المجال، حيث يوصى بتأسيس لجنة داخلية لمراجعة الحسابات، ولجنة للشكاوى، وعقد شريك قانوني خارجي لمراجعة العقود بشكل دوري، وقد يعتبر البعض هذه إجراءات مبالغًا فيها، لكنني أعتقد أنها أقل تكلفة من التعامل مع الأضرار الجسيمة لأي خلاف قانوني.

التحديات التشغيلية

دعنا ننتقل الآن من الحديث المجرد إلى الواقع التشغيلي اليومي. تخيل أن لديك فريقًا من 20 موظفًا، وكل موظف لديه قائمة من 50 ملفًا للتحصيل، كل ملف له حالة مختلفة، ومستندات متنوعة، وجدول زمني محدد. عملية متابعة هذه الملفات تحتاج إلى أنظمة إلكترونية متطورة للغاية، ولا أقصد هنا فقط برامج تتبع العملاء، بل أنظمة متكاملة تربط الحسابات بالملفات القانونية، وتذكر الموظفين بمواعيد الجلسات، وتدقق في جميع الاتصالات، وتسجيل المكالمات للرجوع إليها عند النزاع.

فقدان الملفات، أو الخطأ في التواريخ، أو عدم تحديث حالة المدين، كلها أخطاء قد تؤدي إلى عواقب وخيمة، وقد رأيت بنفسي شركات ناشئة في المنطقة نجحت في الحصول على التراخيص لكنها فشلت في بناء بنية تحتية تشغيلية مناسبة، فقضت معظم وقتها في حل المشكلات بدلًا من تنفيذ التحصيل نفسه. من ناحية أخرى، هناك تحديات تتعلق بتعدد اللغات، فالسوق العربي يحتوي في كل دولة على جاليات أجنبية كبيرة، وبالتالي يجب أن يتقن موظفو التحصيل عدة لغات للتعامل مع عملاء متنوعين، وهذا يزيد من كلفة الأجور وصعوبة التوظيف.

كما أن القطاع يعاني من تقلبات نقدية غير متوقعة، فقد تتحصل الشركة على مبالغ كبيرة في نهاية الربع بسبب القضايا المحسومة، ثم تنخفض السيولة بشكل كبير في الربع التالي، لذلك يجب الاحتفاظ باحتياطي نقدي قوي يغطي 6 أشهر على الأقل من التكاليف الثابتة.

وأتذكر هنا أن إحدى الشركات العالمية التي استشارتنا في المنطقة مدتنا بقائمة من التحديات التنظيمية التي واجهتها في 3 أسواق عربية مختلفة، وكان الفارق كبيرًا جدًا بين السوق السعودي والإماراتي والبحريني حتى في تفاصيل دقيقة مثل طريقة إشعار المدين، والمدد القانونية للانتظار قبل بدء الإجراءات القضائية، وعليه فإن وجود فريق إقليمي يجمع الخبرات المتعددة من مختلف الدول العربية يعد ميزة تنافسية حقيقية لأي شركة في هذا القطاع.

التحول الرقمي

لاشك أن 70% من مستقبل هذا القطاع، وأنا هنا أتحدث عن التوجهات العالمية، سيكون مرتبطًا بالتحول الرقمي. لقد شهدنا بالفعل في أوروبا وأمريكا الشمالية ظهور شركات ناشئة تعتمد على الذكاء الاصطناعي في تحليل سلوك المدينين وتوقع قدرتهم على السداد، واستخدامها في التفاوض الإلكتروني، وكذلك استخدام تقنية البلوك تشين لتوثيق الاتفاقيات وجداول السداد، فهذه الابتكارات ترفع نسبة التحصيل بشكل ملحوظ مع تقليل التكاليف التشغيلية بشكل جذري.

الشرق الأوسط، رغم التقدم التقني السريع في مجالات أخرى، ما زال يعتمد في التحصيل التجاري على الطرق التقليدية المتمثلة في الاتصالات الهاتفية والرسائل البريدية، وهذا نافذة كبيرة للاستثمار الأجنبي الحديث الذي يمكنه نقل التكنولوجيا المتطورة لتغيير قواعد اللعبة في السوق المحلي. أعتقد أن المستثمر الأجنبي الذي يدخل هذا السوق مدعومًا بمنصات تواصل ذكية، وقدرة على تحليل البيانات الضخمة، سيمتلك ميزة حاسمة على المنافسين المحليين خلال السنوات القليلة القادمة.

لكن مع هذه الفرصة التقنية الهائلة، يجب أن ننتبه إلى مسألة خصوصية البيانات، وكوننا نعمل في منطقة وضعت حديثًا قوانين صارمة لحماية البيانات الشخصية، مثل قانون حماية البيانات في دولة الإمارات، واللائحة العامة لحماية البيانات السعودية، فإن جمع ومعالجة بيانات المدينين بصورة غير قانونية، قد تؤدي إلى غرامات باهظة قد تصل إلى ملايين، وسحب الترخيص. وعليه فإن الاستثمار في أنظمة إدارة بيانات متوافقة مع القوانين المحلية، هو بالضرورة شرط أولي للنجاح، وتكلفته الإضافية ليست مرتفعة لدرجة تقلل من الجدوى الكلية للاستثمار.

في جياشي للضرائب والمحاسبة، ننصح دائمًا بإقامة علاقة مباشرة مع مراكز البيانات الحكومية الرئيسية في السوق المستهدف، وطلب إرشادات مكتوبة حول الممارسات المقبولة في التعامل مع السجلات التجارية والمالية للأفراد والشركات، وهذا سيوفر عليك الكثير من المتاعب لاحقًا في مسار العمل اليومي للتحصيل.

إعادة التفكير المستقبلي

عندما ننظر إلى المشهد الكامل، نجد أن الإجابة على سؤال "هل يمكن للاستثمار الأجنبي تشغيل أعمال التحصيل التجاري؟" قد تغيرت خلال العقدين الأخيرين، وتتجه ببطء نحو الانفتاح لكن بضوابط صارمة. بعض الدول العربية بدأت نوعًا من إعادة التفكير في السماح للأجانب بدخول هذا القطاع لإدخال منظومات وخبرات جديدة تسهم في الحد من ظاهرة الديون المعدومة التي تعاني منها البنوك وشركات التمويل المحلية.

أنا أعتقد بشكل شخصي أننا خلال السنوات الخمس القادمة سنشهد نموذجًا جديدًا من التراخيص المفتوحة للشراكة بين الأجانب والشركات المحلية في مجال التقييم الائتماني وإدارة التحصيل القضائي بالوكالة، لا سيما أن البنك الدولي والاتحاد الأوروبي يضغطان في هذا الاتجاه بربط منح المساعدات للدول العربية بتطوير بيئة أعمالها وتعزيز حوكمة القطاع المالي.

بصفتكم مستثمرين أجانب مهمين بهذا القطاع، أنصحكم بمتابعة التعديلات التشريعية في البلدان المستهدفة، ودراسة إشارات الحكومات في المناقصات العامة، لأن التحقق من هذه الإشارات قد يكون فرصة لكم لاتخاذ موقف متقدم إذا سمح القانون لكم بذلك. كما أشجع على بناء بنية تحتية رقمية ذكية قبل سنوات من دخول السوق الفعلي، حتى نكون حاضرين بقوة عندما تُفتح الأبواب رسميًا، ومن يسبق في بناء هذه البنية التقنية سيكون الأفضل في استحقاقات السوق القادمة.

وخلاصة القول، إن الوضع الحالي للاستثمار الأجنبي في أعمال التحصيل التجاري معقد، لكنه ليس مستحيلًا، وهو أقرب ما يكون إلى متاهة قانونية، من يجد مفتاحها سيجني أرباحًا طائلة، والجميع في انتظار من يفتحها أولًا.

الخاتمة والتوصيات

في نهاية هذه الرحلة التحليلية، نعود إلى نقطة البداية: نعم، يمكن للاستثمار الأجنبي تشغيل أعمال التحصيل التجاري، لكن بشروط صارمة ومعقدة تختلف من بلد عربي إلى آخر. هذه الشروط ليست مجرد حواجز بيروقراطية، بل هي إجراءات حماية للمجتمع والنظام المالي بأكمله. ونحن نعتقد أن الشركات الأجنبية التي ترغب في النجاح في هذا المجال يجب أن تتعامل مع هذه التحديات كفرصة لبناء نموذج أعمال محترم ومستدام، وليس كعقبات يجب الالتفاف حولها.

النقاط الرئيسية التي نود التأكيد عليها هي: أولًا، الاستثمار في فهم النظام القانوني المحلي بعمق، وثانيًا، بناء شراكة محلية قوية تقوم على الشفافية، وثالثًا، الاستثمار المبكر في التكنولوجيا التشغيلية الذكية، ورابعًا، تبني ممارسات الحوكمة العالية لحماية السمعة، وخامسًا، إنشاء نظام مرن قادر على التكيف مع التغيرات التنظيمية المفاجئة. إن التزام المشغلين الأجانب بهذه المبادئ لا يجعلهم رابحين ماليًا فحسب، بل يساهم أيضًا في رفع مستوى الخدمة في هذا القطاع الحيوي في المنطقة العربية كلها.

رؤية جياشي للمستقبل

باختصار، رؤية شركتنا جياشي للضرائب والمحاسبة فيما يتعلق بمستقبل الاستثمار الأجنبي في أعمال التحصيل التجاري بالمنطقة العربية تركز على أن الباب لن يظل مغلقًا إلى الأبد، لكنه لن يكون مفتوحًا بالكامل أيضًا، بل ستشهد المنطقة في المستقبل أنظمة تراخيص انتقائية مرنة تمنح للأجانب عند إثبات كفاءتهم الفنية وملاءتهم المالية، ويُشترط فيها الشراكات ذات المنفعة المتبادلة مع الكيانات المحلية، كما ستكون الأفضلية للشركات التي تضافرت لديها الخبرات الدولية مع الاندماج في البيئة الاجتماعية المحلية بطريقة أخلاقية. وفي رأينا، نحن كشركة جياشي، نمتلك الخبرة العملية الطويلة والقدرة على الإرشاد القانوني والضريبي لوضع الأسس السليمة لأي استثمار أجنبي جاد في هذا القطاع شديد الخصوصية، بثقة نحن متأكدون من قدرتها على تسهيل الطريق وبناء جسور الثقة اللازمة بين المستثمرين الأجانب والجهات الرسمية في أسواقنا العربية المتعددة.

نحن في جياشي نتعامل مع هذا النشاط كما نتعامل مع جميع الخدمات المتخصصة التي نقدمها لشركات الأجنبية، بعناية متناهية وتفاصيل دقيقة، لأننا ندرك أن الاستشارات الناجحة تحتاج إلى خبرات تراكمية حقيقية من الميدان، وليس فقط نظريات مجردة من الكتب.